اعلان

اخر الأخبار

قصة اعدام الفيلسوف اليوناني سقراط


قصة اعدام الفيلسوف اليوناني سقراط

  كان سقراط أعظم الفلاسفة اليونانيين الذين عرفهم العالم، وظلت فلسفته تنشر شذاها في العالم حتى عصرنا الحالي، وكان هذا الفيلسوف محبا للجمال ومحبا لقيم العدل واستطاع بذكائه الحاد أن يقضي على السفسطة التي سادت عصره.
 هذه السفسطة التي تقلب الحق باطلا، والباطل حقا بادعاء أن كل الأمور نسبية فليس هناك فضيلة مطلقة،
 فالسرقة مثلا إن كانت قد أضرت المسروق، فهي مفيدة للسارق ، وإذا قال أحد من الناس إن الجو حار، وقال آخر إن الجو بارد فكلاهما في رأي السوفسطائيين على حق لأن كل واحد منهما شعر بما أحس به!!!
 وكان من الممكن أن تفسد هذه الفلسفة الحياة، لولا أن تصدى لها الفيلسوف سقراط، وأْعاد الحق إلى نصابه ليعرف الناس أن الحق حق، وأن الباطل باطل، وأن الحقيقة لايختلف حولها إثنان.
 استطاع الفيلسوف  أن يخمد أفكار السوفسطائيين ، ويضع نهاية لتشويههم الحقيقة عن طريق منهجه بأن يلقي على سامعه الأسئلة التي تقوده إلى الحقيقة، والتي من خلالها يظن سامعه أنه اهتدى إلى هذه الحقيقة بنفسه!
 وكانت مآثر هذا الفيلسوف إنه كما يقولون عنه أنه أنزل الفلسفة من السماء إلى الأرض بمعنى أنه جعل الفلسفة تهتم بمشاكل الإنسان وهمومه بأن يعرف الإنسان نفسه لا أن ينطلق ببحث  فيما وراء الوجود، وقال كلمته الشهيرة التي كانت محفورة على معبد دلفي (اعرف نفسك) !
 كان دائما يقول:
 'أني أسير في أعقاب الحق، وأتلمس آثارة تلمس كلب الصيد للفريسة'
 'أنا لا اعرف غير شيء واحد، هو أنني لاأعرف شيئا'.
 أي أنه كان منتهي أمله أن يتعلم، وأن العلم هو ضالته وأن على كل إنسان سوى أن يكون العلم ضالته.

 كان سقراط ضخم الجثة، غليظ الشفتين، أفطس الأنف، جاحظ العينين، ومتزوجا من زوجة متسلطة،  لأنه ترك مهنته كنقاش، وراج يجوب شوارع أثينا ينشر الفلسفة ويبشر بها دون أن يلتفت لمهنته!
 وكان لابد لمثل هذا الانسان الذي يلتف حوله شباب أثينا من كل الطبقات الغنية والفقيرة، للاستفادة من حكمته والاستما ع إليه وهو يتحدث عن الإنسان وحكمة الحياة، وأنه لاينبغي الخوف من الموت لأن الموت إما عدم وبالتالي لن يكون ثمة شعور به وإما أن الأنسان سيري في هذا العالم الآخر الذين تركوا بصمات في هذه الحياة ورحلوا ومن هنا يسعد الانسان بهذا العالم الذي 'لانعرف عنه شيئا ، وفي كلا الحالتين لم يعد الموت مخيفا واستمع الشباب إليه وهو يتحدث عن الله ووحدانيته كما استمع الشباب إليه وهو يسخر من ديمقراطية أثينا.
 كل ذلك دفع البعض على الحقد عليه حسدا من قدرته المذهلة في النقاش، والوصول بسامعه إلى أبواب الحقيقة.
 وحقد عليه السوفسطائيون لأنه هدم مذهبهم في الشك في كل الأمور حتى تتقدم الحقيقة المطلقة ولم يكن غريبا بعد ذلك أن يجابه بالاتهامات التي تزج به في أعماق السجن تمهيدا لمحاكمته والتخلص من حياته بالموت!
 وكان أن وجهت إليه تهمتان:
 التهمة الأولى :  أنه لايعبد آلهة أثينا يعبد آلهة من عنده.
 التهمة الثانية : أنه يفسد الشباب ، وقد وجه إليه هذا الاتهام أحد تجار الجلود ويدعي أنتيس(Anytus) لأنه أفسد ابنه الذي حرضه على ترك مهنة والده، والاتجاه لدراسة الفلسفة وقبض على سقراط ليقدم إلى المحاكمة!

 ونرى من خلال ما كتبه أفلاطون على لسان استاذه سقراط، كيف دافع سقراط عن نفسه في محاكمة ظالمة ، ومن خلال دفاع سقراط عن نفسه، نرى كيف انكر الاتهام الذي وجه إليه، وكيف عاتب الذين جاءوا ليحكموا عليه بتهمة أنه ينكر الإله بجانب إفساده للشباب،  ومع أنه فند كل التهم التي وجهت إليه بأسلوب جذاب، ومنطق عميق إلا أنه حكم عليه بأن يموت بالسم!
 وقال لهم سقراط وكأنه يودع الحياة، ويودع أصدقاءه ، بعد أن قرر أن ينفذ الحكم ولايهرب من سجنه، وكان في إمكانه ذلك، فقد كان من بين تلاميذه تلاميذ أغنياء يمكنهم أن يفدوا استاذهم عن طريق رشوة الحراس، وتوفير الوسيلة لهرب سقراط، ولكنه رفض ذلك وقال لهم كلماته التي عاشت:
 لقد أزفت ساعة الرحيل ... وسينصرف كلا منا إلي سبيله فأنا إلى الموت، وأنتم إلى الحياة، والله وحده عليم بأيهما خير .
  ونقرأ في كتاب ( أعلام الفكر الأولي) نهاية سقراط كما وصف ذلك أفلاطون في (فيدون) وهوكتاب يعد من كبريات ملاحم العالم، فيقول أن تلاميذ سقراط احتشدوا حول أستاذهم المحبوب، فدعا سقراط أحدهم إليه وجعل يمر بيده على شعره وهويشرح آراءه في الحياة والموت وخلود الروح فالموت نسيان خالد حلو لايفسده إضطهاد أوظلم أو خيبة أو ألم أو حزن، أو أنه باب نلجأه فنمضي من الأرض الى السماء، إنه المدخل إلى قصر الله 'وهناك أيها الصحاب لايقتل إنسان من أجل عقائده، فابتهجوا إذن واستبشروا، ولا تأسوا على فراقي وقولوا حين تودعونني القبر إنكم إنما دفنتم جسدي لا روحي'.
 توشك الشمس أن تغرب، فيدخل السجان وفي يده السم ويقول:
 'بربك ياسقراط لا تحنق علي فأنت تعلم أن غيري يحمل إثم موتك ولا أحمله أنا'
 يقول ذلك، ويمد يده بالكأس إلى سقراط ويجهش بالبكاء وهوعائد من عنده.
 لم يستطع أحدنا أن يحبس دمعه، فانهلت شئوننا برغمنا عدا سقراط فقد ظل رابط الجأش يقول لصحبه:
 ماهذا السخف ، لقد صرفت النساء تفاديا لمثل هذا المشهد ، السكينة إذن ودعوني أمت في هدوء'
 فلما سمعنا هذا استجبنا وكففنا الدمع فلما شرب سقراط قدح الشوكران ( السم) استلقى على سريره كما أمره السجان، وسرى السم تدريجيا من قدمه صوب قلبه فاهتز هزة عنيفة، وجمدت عيناه.
 كذلك كانت نهاية استاذنا الذي أستطيع أن أقول عنه بحق أنه سما في حكمته ورقته على كل من عرفت من الناس'

 وقد صور هذا المشهد أمير الشعراء أحمد شوقي في صورة شعرية أخاذه عندما قال:
 سقراط أعطي الكأس وهي مميته شفتي محب يشتهي التقبيلا .
 عرضوا الحياة عليه وهي رخيصة ...
 فأبي وآثر أن يموت نبيلا ...
 إن الشجاعة في القلوب كثيرة ...
 ورأيت شجعان العقول قليلا ...

ليست هناك تعليقات

مشاركات مميزة